الرؤية الائتمانية ترتكز على القيم الأخلاقية المشتركة كشرط لنجاح الحوار
12:00 ص, الأحد, 25 يوليو, 2021
شهد القرن العشرون محاولات حثيثة في مجال تفعيل منهج الحوار لإيجاد صيغ جامعة تهدف إلى تقليص الهوة بين الديانات والإيديولوجيات المُختلفة، وتضع أرضية مُشتركة للقيم الأخلاقية المتوافقة مع المعايير الإنسانيّة الجامعة، التي تسهم في نبذ العنف وإرساء التعايش السلمي بين الأديان وفئات المُجتمع المدني، وهذا يبرز بشكل واضح من خلال ما تظهره المنظمات الحقوقيّة من أهمية للتحاور من أجل التفكير وفق أخلاق عالمية، تؤكد على ضرورة الحوار لترسيخ العيش المشترك والسلام بين الأديان، في المُقابل نقد الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن في أطروحة قدمها بعنوان «الأخلاق العالمية والخلفية الفلسفية التي تأسس عليها الحوار الديني» وقدّم مشروعه الفلسفي الذي سماه بالائتمانية، الذي وضع من خلاله البديل الأخلاقي الإسلامي الذي بإمكانه قيادة وتوجيه الإنسانية بمظلة تعلوها راية الإسلام، كما أن سبق أن أُخضعت النظرية الأخلاقية لدراسة فيما يخصّ الحوار العالمي والحوار الديني تحديدًا، ورغم أهمية الائتمانية الإنسانية والأخلاق العالميّة إلا أن كلًا منهما يشمل في الخطاب سؤالًا يدور حول العالميّة وانتشال العالم من المشكلات الناتجة عن العنف وإحلال قيم السلم والتسامح بين أفراد المُجتمع، ليقدّم مشروعًا أخلاقيًا عالميًا يمثل الشق العملي من فلسفته الائتمانية، التي من خلالها أعاد الاعتبار في مُناقشة وطرح مفهوم مكارم الأخلاق.
الرؤية الائتمانية ترتكز على القيم الأخلاقية المُشتركة كشرط لنجاح الحوار، فلا يترجح ارتفاع العنف إلا إذا عمل كل واحد من المتحاورين على استخراج آرائه ودوافعه من جملة الوقائع والقيم التي تُعد رصيدًا مُشتركًا بينهما، إلى منحنى حواري يمتاز بالتسليم والتميز بالآراء على قدر قوة هذه الوقائع والقيم المُشتركة، إضافة إلى تواصل الحوار بين الأطراف المختلفة، سواء كانت فئات مجتمعية أو أفرادًا، الذي سيُفضي مع مرور الزمن إلى تقلص شقة الخلاف بينهم، كما أن الحوار يسهم في توسيع العقل وتعميق مداركه، فهو بمنزلة النظر من جانبين اثنين، ما يؤدّي إلى توسيع مدارك العقل فتزداد سعة العقل وعمقه درجات كثيرة، وانطلاقًا من أديان الحوار (الحوار في النصوص الدينية) يصل إلى حوار الأديان، فقد يتبيّن من النقاش تغييب المسؤولية في المواجهة وكيف يتم تشهيدها في المواثقة من خلال عرض نظرية في حوار المواجهة اشتهر بها الفيلسوف الفرنسي ذو الأصل اللتواني «إيمانويل ليفيناس»، ويمضي بناء على ذلك إلى بيان أركان المواثقة التي هي أربعة: ركن الميثاق، وركن الأمانة، وركن الشهادة، وركن المخالطة.
وفي الختام ندرك أن من خلال هذه المقاربة المفهومية والفكرية لمشروع الأخلاق العالمية والائتمانية، أن العودة القوية لمكارم الأخلاق في عالم تسوده القيم النفعيّة التي أعطت للعقل سلطان التشريع اللامحدود بلا ضوابط تحفظ للإنسان إنسانيته، كما أن مشروع الأخلاق العالمية ركز على الجوامع المُشتركة بين جميع الأديان منطلقًا من الاعتراف بوجود وكينونة وخصوصية الأديان المُختلفة، مُفرقًا بين مصدر الديانة وتطوّرها التاريخي دون إلغاء ولا إقصاء لها، باعتبار أن أخلاقها جميعًا تصب في معين واحد، أما نسق الائتمانية فانطلق من عالمية وخاتمية الدين الإسلامي، واعتباره الصورة المثاليّة للكمال الأخلاقي، وعلى هذا الأساس يمكن تقديمه عن طريق الإقناع والحجة والاستدلال كبديل أخلاقي يمكنه أن يخرج العالم من أزماته المُعاصرة، وإطلاق رؤية حقيقية من الذات الإسلامية باعتبارها النموذج الأمثل، الذي لا يمكن قبوله بسهولة لدى الآخر الذي ينظر بدوره للدين الإسلامي كمنهج خارج عن الشكل المدني والسياسات والأنظمة المُتبعة بين أفراد وقيادات فعّالة على صعيد المُجتمع الدولي
خبير التنمية البشرية